
أول لقاء لا أتذكره..
ولكن من يستطيع أن يضبط رتابة اللقاء، والذاكرة أيضا، حين يكون برفقة كاهن، مكتمل عباءة الشعر، كأنه يستثمر في هذا السواد الكثيف الذي يغطي رأسه ووجهه، فيزيد كل مرة، ويتمدد على مساحة الرأس كلها، حتى لا يكاد المتأمل يلمح من علي السوداني إلا عينيه، وبقايا من خديه، وسط غابة الشعر التي صادرت تفاصيل ملامحه العتيقة!!
***
أول لقاء، معه، لا أتذكره…
لكني عندما عزمت النية على زيارة بغداد نهاية التسعينات، كنت أحتسي ما تيسر من البياض، والكلام المقطّع بنوتة كربلائية يبثها علي بين جرعة وأخرى.. أنت ذاهب إلى بغداد.. ياه ما أبعد بغداد!!
وقال أيضا: لا بد أن تلتقي الأصدقاء هناك.. سلم لي على.. . وبدأ تذكر الأماكن، ومع ذاكرته، رجعت إلى ذهني لحظة دهشتي، عندما قرأت الإهداء، بعد الاستهلال في كتابه بوككو وموككو-مئة قصة وقصة ، إذ كان الإهداء يملأ صفحة ونصف، إلى: مقبرة الإنكليز، جسر الصرافية، مقبرة باب المعظم، باب المعظم، خضر الياس، ساحة الميدان، الصابونجية، مبغى سحر، مقهى أبو سعد، سوق الهرج، الإعدادية المركزية، مقهى أم كلثوم، شربت حجي زبالة، مقهى حسن عجمي،… ، وتتسع الأسماء والمسميات في الإهداء على هذا المنوال، كما اتسعت الأسماء عندما أوصاني بالأماكن والأصدقاء الذين علي أن ألتقيهم في زيارتي تلك، وبعد أن أنهى سألني عن الأماكن التي أخطط لزيارتها غير التي أوصاني بها، قلت إن بقي لي وقت للزيارة بعد ما ذكرتَ لي، سأحاول أن أخرج من بغداد، وأبحث عن بدر شاكر السياب، وأسلم على محمد خضير، وأزور النجف والكوفة وكربلاء. وكان اسم ابنه عمر، آنذاك كان صغيرا، وكان علي السوداني أجمل ما فيه صدقه مع ذاته، وسلاسته مع من حوله، وصلابته في مواقفه، ومغامرته التي لا تنتهي، وأتخيلها مذ بدأ معاقرة الحياة، وحتى المنتهى ستبقى معه..
***
أول لقاء مهما حاولت تذكره لن أستطيع سرد تفاصيله، فالذاكرة خائنة لصاحبها.. ربما هو يتذكر أكثر، ربما من جمعنا في ذاك اليوم يتذكر أكثر منا، لكن بالتأكيد، بعد تلك الجلسة صار يجمعنا رابط روحي أقوى من لَيّ ذراع الذاكرة، وتسجيل التاريخ الفعلي لذلك اللقاء. كان رابطا قويا جعلنا نلتقي حتى وإن تباعدنا بين فينة وأخرى، وأحيانا تمر أشهر من دون أن نلتقي، لكن عند أول لقاء بعد ذلك، ومن دون تكلفة، تتواصل اللقاءات السلسة التي تبدأ دائما بموشح شتائم حميمة، وبلا رتابة، ولا تخطيط، لكنني أذكره دوما بقصته وأصدقائه حينما سرقوا كوع أنبوب السفارة الأميركية في بغداد. ولهذه الحكاية مناسبة جاءت عفو الخاطر حين أوصاني أن ألتقي بالأصدقاء حسن النواب، وكزار حنتوش وما تبقى من القائمة التي أوصاني بالتواصل معهم في بغداد، وقال: ذكّرهم بذلك الكوع الذي سرقناه معا ، وفعلت، وبدأت هناك سهرات على نمط سهرات علي السوداني، هذا ال علي الذي أتخيله دائما سيأتي من خلال ألبوم صور، أو يخرج من كتاب قديم، ولكني دائما أراه بلحيته وضحكته وبهيئته السلفودالية قابعاً بكل قناعاته الدونكوشوتية داخل زجاجة تزيد ولا تنقص، وهو ليل نهار يتجرع ماءها من أسئلة!!
***
الآن أتذكر علي السوداني، فقط، صديقا حميما، ومبدعا حقيقيا، أعرفه جيدا، فهو موال عراقي فيه شجن صامت، يعبر عنه بكلمته، وهو أليف الحضور، هو الذي أحبَّ عمّان، ولم تتنازعه غواية الرحيل عنها، لتكون محطة، ويتنكر لها بعد خروجه منها، كان مخلصا لها، ولأصدقائه فيها، ولهذا حين كان وداعه بعد احتلال بغداد، وكان مترددا في قرار العودة، كأنه كان خائفا من انكسار حلمه في بغداد التي يتمناها، والتي كان يأمل بأن تنتظره على أقل تقدير بهيأتها التي تركها عليها.. كنا ودعناه في مطعم النيروز على الدوا


























